ابن قتيبة الدينوري

238

تأويل مشكل القرآن

كان المسلمون إذا بطل الوحي يقولون : هلّا نزل شيء ، تأميلا أن تنزل عليهم بشرى من اللّه وفتح وخير وتخفيف فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ أي محدثة . وسميت المحدثة : محكمة ، لأنها حين تنزل تكون كذلك حتى ينسخ منها شيء . وهي في حرف عبد اللّه فإذا أنزلت سورة محدثة وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ ، أي فرض فيها الجهاد رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي شك ونفاق يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ، يريد أنهم يشخصون نحوك بأبصارهم ، وينظرون نظرا شديدا بتحديق ، وتحديد ، كما ينظر الشّاخص ببصره عند الموت ، من شدّة العداوة . والعرب تقول : رأيته لمحا باصرا أي نظرا صلبا بتحديق . ونحوه قوله : وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ [ القلم : 51 ] ، أي يسقطونك بشدة نظرهم ، وقد تقدم ذكر هذا . ثم قال : فَأَوْلى لَهُمْ تهدّد ووعيد . وتمّ الكلام ، ثم قال : طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ وهذا مختصر ، يريد قولهم قبل نزول الفرض : سمع لك وطاعة . فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ ، أي جاء الجدّ كرهوا ذلك ، فحذف الجواب على ما بينت في باب الاختصار . ثم ابتدأ فقال : فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ . ثم قال : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ ، أي انصرفتم عن النبي ، صلّى اللّه عليه وسلم ، وما يأمركم به أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ، يريد فهل تريدون إذا أنتم تركتم محمدا ، صلّى اللّه عليه وسلم ، وما يأمركم به - أن تعودوا إلى مثل ما كنتم عليه من الكفر ، والإفساد في الأرض وقطع الأرحام ؟ في سورة ق وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ ( 21 ) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ( 22 ) وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ( 23 ) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ( 24 ) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ ( 24 ) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ ( 26 ) * قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ( 27 ) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ( 28 ) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ( 29 ) [ ق : 21 ، 29 ] . السائق هاهنا : قرينها من الشياطين ، سمّي سائقا ، لأنه يتبعها وإن لم يحثّها ويدفعها . وكان رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم ، يسوق أصحابه ، أي يكون وراءهم . والشّهيد : الملك الشاهد عليها بما عملت . يقول اللّه تعالى : لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا في الدنيا . فَكَشَفْنا عَنْكَ